منتديات ستار المسيلة 28
لتتمكن من الإستمتاع بكافة ما يوفره لك هذا المنتدى من خصائص, يجب عليك أن تسجل الدخول الى حسابك في المنتدى. إن لم يكن لديك حساب بعد, نتشرف بدعوتك لإنشائه.
منتديات ستار المسيلة.

منتديات ستار المسيلة 28

تعليم ، كتب ، الرياضة ، الجزائر ، أخبار ، بكالوريا ، نتائج ، مسابقات
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

  سلسلــة أخــلاق المؤمـنيــن وآداب الصالحيــن (4) آداب النـكــاح : فريــق الريــان

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
zaki dz
المدير
المدير


عدد المساهمات : 110
تاريخ التسجيل : 06/01/2015
العمر : 20

مُساهمةموضوع: سلسلــة أخــلاق المؤمـنيــن وآداب الصالحيــن (4) آداب النـكــاح : فريــق الريــان   الخميس يناير 08, 2015 7:49 pm




[size=20][/size]






الكاتب الغزالي _من كتاب  إحياء علوم الدين

محمد بن محمد بن محمد الغزالي الطوسي، أبو حامد، حجة الإسلام فيلسوف، متصوف، له نحو مائتي مصنف. ولد في الطابران (قصبة طوس، بخراسان) سنة (450 هـ) ورحل إلى نيسابور ثم إلى بغداد فالحجاز فبلاد الشام فمصر، وعاد إلى بلدته. وتوفي فيها سنة (505 هـ)






الحمد لله الذي لا تصادف سهام الأوهام في عجائب صنعه مجرى ولا ترجع العقول عن أوائل بدائعها إلا والهة حيرى ولا تزال لطائف نعمه على العالمين تترى فهي تتوالى عليهم اختياراً وقهراً‏.‏

ومن بدائع ألطافه أن خلق من الماء بشراً فجعله نسباً وصهراً وسلط على الخلق شهوةً اضطرهم بها الحراثة جبراً واستبقى بها نسلهم إقهاراً وقسراً‏.‏

ثم عظم أمر الأنساب وجعل لها قدراً فحرم بسببها السفاح وبالغ في تقبيحه ردعاً وزجراً وجعل اقتحامه جريمةً فاحشةً وأمر إمراً وندب إلى النكاح وحث عليه استحباباً وأمراً‏.‏

فسبحان من كتب الموت على عباده فأذلهم به هدماً وكسراً ثم بث بذور النطف في أراضي الأرحام وأنشأ منها خلقاً وجعله لكسر الموت جبراً تنبيهاً على أن بحار المقادير فياضة على العالمين نفعاً وضراً وخيراً وشراً وعسراً ويسراً وطياً ونشراً والصلاة والسلام على محمد المبعوث بالإنذار والبشرى وعلى آله وأصحابه صلاةً لا يستطيع لها الحساب عداً ولا حصراً وسلم تسليماً كثيراً‏.‏

أما بعد‏:‏ فإن النكاح معين على الدين ومهين للشياطين وحصن دون عدو الله حصين وسبب للتكثير الذي به مباهاة سيد المرسلين

لسائر النبيين فما أحراه بأن تتحرى أسبابه وتحفظ سننه وآدابه وتشرح مقاصده وآرابه وتفصل فصوله وأبوابه‏.‏

والقدر المهم من أحكامه ينكشف في ثلاثة أبواب

 الباب الأول في الترغيب فيه وعنه‏.‏

الباب الثاني في الآداب المرعية في العقد والعاقدين‏.‏

الباب الثالث في آداب المعاشرة بعد العقد إلى الفراق‏.‏






 الباب الأول
 في الترغيب في النكاح والترغيب عنه

علم أن العلماء قد اختلفوا في فضل النكاح فبالغ بعضهم فيه حتى زعم أنه أفضل من التخلي لعبادة الله واعترف آخرون بفضله ولكن قدموا عليه التخلي لعبادة الله مهما لم تتق النفس إلى النكاح توقاناً يشوش الحال ويدعو إلى الوقاع‏.‏

وقال آخرون‏:‏ الأفضل تركه في زماننا هذا وقد كان له فضيلة من قبل إذ لم تكن الأكساب محظورة وأخلاق النساء مذمومة‏.‏

ولا ينكشف الحق فيه إلا بان نقدم أولاً ما ورد من الأخبار والآثار في الترغيب فيه والترغيب عنه ثم نشرح فوائد النكاح وغوائله حتى يتضح منها فضيلة النكاح وتركه في حق كل من سلم من غوائله أو لم يسلم منها الترغيب في النكاح‏:‏ أما من الآيات‏:‏ فقد قال تعالى‏:‏ ‏"‏ وانكحوا الأيامى منكم ‏"‏ وهذا أمر وقال تعالى‏:‏ ‏"‏ فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن ‏"‏ وهذا منع من العضل ونهي عنه‏.‏

وقال تعالى في وصف الرسل ومدحهم ‏"‏ ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك وجعلنا لهم أزواجاً وذرية ‏"‏ فذكر ذلك في معرض الامتنان وإظهار الفضل‏.‏

ومدح أولياءه بسؤال ذلك في الدعاء فقال‏:‏ ‏"‏ والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين ‏"‏ الآية ويقال إن الله تعالى لم يذكر في كتابه من الأنبياء إلا المتأهلين فقالوا إن يحي صلى الله عليه وسلم قد تزوج ولم يجامع قيل‏:‏ إنما فعل ذلك لنيل الفضل وإقامة السنة وقيل‏:‏ لغض البصر وأما عيسى عليه السلام فإنه سينكح إذا نزل الأرض ويولد له‏.‏

وأما الأخبار فقوله صلى الله عليه وسلم ‏"‏ النكاح سنتي فمن رغب عن سنتي فقد رغب عني ‏"‏ وقال صلى الله عليه وسلم ‏"‏ النكاح سنتي فمن أحب فطرتي فليستن بسنتي ‏"‏ وقال أيضاً صلى الله عليه وسلم ‏"‏ تناكحوا تكثروا فإني أباهي بكم الأمم يوم القيامة حتى بالسقط ‏"‏ وقال أيضاً عليه السلام ‏"‏ من رغب عن سنتي فليس مني وإن من سنتي النكاح فمن أحبني فليستن بسنتي ‏"‏ وقال النبي صلى الله عليه وسلم ‏"‏ من ترك التزويج مخافة العيلة فليس منا ‏"‏ وهذا ذم لعلة الامتناع لا لأصل الترك وقال صلى الله عليه وسلم ‏"‏ من كان ذا طول فليتزوج ‏"‏ وقال ‏"‏ من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لا فليصم فإن الصوم له وجاء ‏"‏ وهذا يدل على أن سبب الترغيب فيه خوف الفساد في العين والفرج‏.‏

والوجاء هو عبارة عن رض الخصيتين للفحل حتى تزول فحولته فهو مستعار للضعف عن الوقاع في الصوم‏.‏

وقال صلى الله عليه وسلم ‏"‏ إذا أتاكم من ترضون دينه وأمانته فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير ‏"‏ وهذا أيضاً تعليل في الترغيب لخوف الفساد‏.‏

وقال صلى الله عليه وسلم ‏"‏ من نكح لله وأنكح لله استحق ولاية الله ‏"‏ وقال صلى الله عليه وسلم ‏"‏ من تزوج فقد أحرز شطر دينه فليتق الله في الشطر الثاني ‏"‏ وهذا أيضاً إشارةً إلى أن فضيلته لأجل التحرز من المخالفة تحصناً من الفساد فكأن المفسد لدين المرء في الأغلب فرجه وبطنه وقد كفى بالتزويج أحدهما‏.‏

وقال صلى الله عليه وسلم ‏"‏ كل عمل ابن آدم ينقطع إلا ثلاث ولد صالح يدعو له - لحديث -‏.‏

ولا يوصل إلى هذا إلا بالنكاح‏.‏

وأما الآثار‏:‏ فقال عمر رضي الله عنه لا يمنع من النكاح إلا عجز أو فجور‏.‏

فبين أن الدين غير مانع منه وحصر المانع في أمرين مذمومين‏.‏

وقال ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ لا يتم نسك الناسك حتى يتزوج‏.‏

يحتمل أن جعله من النسك وتتمة له‏.‏

ولكن الظاهر أنه أراد به أنه لا يسلم قلبه لغلبة الشهوة إلا بالتزويج ولا يتم النسك إلا بفراغ القلب ولذلك كان يجمع غلمانه لما أدركوا عكرمة وكريبا وغيرهما ويقول‏:‏ إن أردتم النكاح أنكحتكم فإن العبد إذا زنى نزع الإيمان من قلبه‏.‏

وكان ابن مسعود رضي الله عنه يقول‏:‏ لو لم يبق من عمري إلا عشرة أيام لأحببت أن أتزوج لكيلا ألقى الله عزباً‏.‏

وماتت امرأتان لمعاذ بن جبل رضي الله عنه في الطاعون وكان هو أيضاً مطعوناً فقال‏:‏ زوجوني فإني أكره أن ألقى الله عزباً‏.‏

وهذا منهما يدل على أنهما رأيا في النكاح فضلاً لا من حيث التحرز عن غائلة الشهوة‏.‏

وكان عمر رضي الله عنه يكثر النكاح ويقول‏:‏ ما أتزوج إلا لأجل الولد وكان بعض الصحابة قد انقطع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يخدمه ويبيت عنده لحاجة إن طرقته فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ألا تتزوج فقال يا رسول الله إني فقير لاشيء لي وأنقطع عن خدمتك فسكت‏.‏

ثم عاد ثانياً فأعاد الجواب‏.‏

ثم تفكر الصحابي وقال‏:‏ والله لرسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم بما يصلحني في دنياي وآخرتي وما يقربني إلى الله مني ولئن قال لي الثالثة لأفعلن‏.‏

فقال له الثالثة‏:‏ ‏"‏ ألا تتزوج ‏"‏ قال‏:‏ فقلت يا رسول الله زوجني قال‏.‏

‏"‏ اذهب إلى بني فلان فقل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمركم أن تزوجوني فتاتكم ‏"‏ قال‏:‏ فقلت يا رسول الله لاشيء لي فقال لأصحابه‏:‏ ‏"‏ اجمعوا لأخيكم وزن نواة من ذهب ‏"‏ فجمعوا له فذهبوا به إلى القوم فأنكحوه فقال له‏:‏ أولم فجمعوا له من أصحابه شاة للوليمة وهذا التكرير يدل على فضل في نفس النكاح ويحتمل أنه توسم فيه الحاجة إلى النكاح‏.‏

وحكى أن بعض العباد في الأمم السالفة فاق أهل زمانه في العبادة فذكر لنبي زمانه حسن عبادته فقال‏:‏ نعم الرجل هو لولا أنه تارك لشيء من السنة فاغتم العابد لما سمع ذلك فسأل النبي عن ذلك فقال‏:‏ أنت تارك للتزويج فقال‏:‏ لست أحرمه ولكني فقير وأنا عيال على الناس قال‏:‏ أنا أزوجك ابنتي فزوجه النبي عليه السلام ابنته‏.‏

وقال‏.‏

بشر بن الحرث‏:‏ فضل علي أحمد بن حنبل بثلاث‏:‏ بطلب الحلال بنفسه ولغيره وأنا أطلبه لنفسي فقط ولاتساعه في النكاح وضيقي عنه ولأنه نصب إماماً للعامة‏.‏

ويقال إن أحمد رحمه الله تزوج في اليوم الثاني لوفاة أم ولده عبد الله وقال‏:‏ أكره أن أبيت عزباً‏.‏

وأما بشر فإنه لما قيل له‏.‏

إن الناس يتكلمون فيك لتركك النكاح ويقولون هو تارك للسنة فقال‏:‏ قولوا لهم مشغول بالفرض عن السنة‏.‏

وعوتب مرة أخرى فقال‏:‏ ما يمنعني من التزويج إلا قوله تعالى ‏"‏ ولهن مثل الذي بالمعروف ‏"‏ فذكر ذلك لأحمد فقال‏:‏ وأين مثل بشر إنه قعد على مثل حد السنان‏.‏

ومع ذلك فقد روي أنه رئي في المنام فقيل له‏:‏ ما فعل الله بك فقال‏:‏ رفعت منازلي في الجنة وأشرف بي على مقامات الأنبياء ولم أبلغ منازل المتأهلين‏.‏

وفي رواية قال لي‏:‏ ما كنت أحب أن تلقاني عزباً قال‏:‏ فقلنا له ما فعل أبو نصر التمار فقال‏:‏ رفع فوقي بسبعين درجة قلنا‏:‏ بماذا فقد كنا نراك فوقه قال‏:‏ بصبره على بنياته والعيال‏.‏

وقال سفيان بن عيينة‏:‏ كثرة النساء ليست من الدنيا لأن علياً رضي الله عنه كان أزهد أصحاب رسول الله عليه وسلم وكان له أربع نسوة وسبع عشرة سرية‏.‏

فالنكاح سنة ماضية وخلق من أخلاق الأنبياء‏.‏

وقال رجل لإبراهيم بن أدهم رحمه الله‏:‏ طوبى لك فقد تفرغت للعبادة بالعزوبة فقال‏:‏ لروعة منك بسبب العيال‏:‏ أفضل من جميع ما أنا فيه قال‏:‏ فما الذي يمنعك من النكاح فقال‏:‏ مالي حاجة في إمرأة وما أريد أن أغر امرأة بنفسي‏.‏

وقد قيل‏:‏ فضل المتأهل على العزب كفضل المجاهد على القاعد وركعة من متأهل من سبعين ركعة من عزب‏.‏

وأما ما جاء في الترهيب عن النكاح‏:‏ فقد قال صلى الله عليه وسلم ‏"‏ خير الناس بعد المائتين الخفيف الحاذ الذي لا أهل له ولا ولد ‏"‏ وقال صلى الله عليه وسلم ‏"‏ يأتي على الناس زمان يكون هلاك الرجل على يد زوجته وأبويه وولده يعيرونه بالفقر ويكلفونه مالا يطيق فيدخل المداخل التي يذهب فيها دينه فيهلك ‏"‏ وفي الخبر ‏"‏ قلة العيال أحد اليسارين وكثرتهم أحد الفقرين ‏"‏ وسئل أبو سليمان الداراني عن النكاح فقال‏:‏ الصبر عنهن خير من الصبر عليهن والصبر عليهن خير من الصبر على النار‏.‏

وقال أيضاً‏:‏ الوحيد يجد من حلاوة العمل وفراغ القلب ما لا يجد المتأهل‏.‏

وقال مرة‏:‏ ما رأيت أحداً من أصحابنا تزوج فثبت على مرتبته الأولى‏.‏

وقال أيضاً‏:‏ ثلاث من طلبهن فقد ركن إلى الدنيا من طلب معاشاً أو تزوج امرأةً أو كتب الحديث‏.‏

وقال الحسن رحمه الله‏:‏ إذا أراد الله بعبد خيراً لم يشغله بأهل ولا مال وقال ابن الحواري‏:‏ تناظر جماعة في هذا الحديث فاستقر رأيهم على أنه ليس معناه أن لا يكون له بل أن يكونا له ولا يشغلانه وهو إشارة إلى قول أبي سليمان الداراني‏:‏ ما شغلك عن الله من أهل ومال وولد فهو عليك مشؤوم وبالجملة لم ينقل عن أحد الترغيب عن النكاح مطلقاً إلا مقروناً بشرط‏.‏

وأما الترغيب في النكاح فقد آفات النكاح وفوائده وفيه خمسة‏:‏

الولد

وكسر الشهوة

 وتدبير المنزل

 وكثرة العشيرة

ومجاهدة النفس بالقيام بهن‏.‏



[size=24][/size]





الفائدة الأولى‏:‏ الولد وهو الأصل وله وضع النكاح‏.‏

والمقصود إبقاء النسل وأن لا يخلو العالم عن جنس الإنس‏.‏

وإنما الشهوة خلقت باعثة مستحثة كالموكل في إخراج البذر وبالأنثى في التمكين من الحرث تلطفاً بهما في السياقة إلى اقتناص الولد بسبب الوقاع كالتلطف بالطير في بث الحب الذي يشتهيه ليساق إلى الشبكة وكانت القدرة الأزلية غير قاصرة عن اختراع الأشخاص ابتداءً من غير حراثة وازدواج ولكن الحكمة اقتضت ترتيب المسببات على الأسباب مع الاستغناء عنها إظهاراً للقدرة وإتماماً لعجائب الصنعة وتحقيقاً لما سبقت به المشيئة وحقت به الكلمة وجرى به القلم‏.‏

وفي التوصل إلى الولد قربة من أربعة أوجه هي الأصل في الترغيب فيه عند الأمن من غوائل الشهوة حتى لم يحب أحدهم أن يلقى الله عزباً‏.‏

الأول موافقة محبة الله بالسعي

في تحصيل الولد لإبقاء جنس الإنسان والثاني طلب محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم في تكثير من به مباهاته‏.‏

والثالث طلب التبرك بدعاء الولد الصالح بعده‏.‏

والرابع طلب الشفاعة بموت الولد الصغير إذا مات قبله‏.‏

أما الوجه الأول‏:‏ فهو أدق الوجوه وأبعدها عن إفهام الجماهير وهو أحقها وأقواها عند ذوي البصائر النافذة في عجائب صنع الله تعالى ومجاري حكمه‏.‏

وبيانه أن السيد إذا سلم إلى عبده البزر وآلات الحرث وهيأ له أرضاً مهيأة للحراثة وكان العبد قادراً على الحراثة ووكل به من يتقاضاه عليها فإن تكاسل وعطل آلة الحرث وترك البزر ضائعاً حتى فسد ودفع الموكل عن نفسه بنوع من الحيلة كان مستحقاً للمقت والعتاب من سيده‏.‏

والله تعالى خلق الزوجين وخلق الذكر والأنثى وخلق النطفة في الفقار وهيأ لها في الأنثيين عروقاً ومجاري وخلق الرحم قراراً ومستودعاً للنطفة وسلط متقاضى الشهوة على كل واحد من الذكر والأنثى فهذه الأفعال والآلات تشهد بلسان ذلق في الإعراب عن مراد خالقها وتنادى أرباب الألباب بتعريف ما أعدت له‏.‏

هذا إن لن يصرح به الخالق تعالى على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم بالمراد حيث قال ‏"‏ تناكحوا تناسلوا ‏"‏ فكيف وقد صرح بالأمر وباح بالسر فكل ممتنع عن النكاح معرض عن الحراثة مضيع لخلق لما خلق الله من الآلات المعدة وجان على مقصود الفطرة والحكمة المفهومة من شواهد الخلقة المكتوبة على هذه الأعضاء بخط إلهي ليس برقم حروف وأصوات يقرأه كل من له بصيرة ربانية نافذة في إدراك دقائق الحكمة الأزلية ولذلك عظم الشرع الأمر في القتل للأولاد وفي الوأد لأنه منع لتمام الوجود وإليه أشار أحد الوأدين فالناكح ساع في إتمام ما أحب الله تعالى تمامه والمعرض معطل ومضيع لما كره الله ضياعه ولأجل محبة الله تعالى لبقاء النفوس أمر بالإطعام وحث عليه وعبر عنه بعبادة القرض فقال ‏"‏ من ذا الذي يقرض له قرضاً حسناً ‏"‏ فإن قلت‏:‏ قولك‏:‏ إن بقاء النسل والنفس محبوب يوهم أن فناءها مكروه عند الله وهو فرق بين الموت والحياة بالإضافة إلى إرادة الله تعالى ومعلوم أن الكل بمشيئة الله وأن الله غني عن العالمين فمن يتميز عنده موتهم عن حياتهم أو بقاؤهم عن فنائهم فأعلم أن هذه الكلمة حق أريد بها باطل ما ذكرناه لا ينافي إضافة الكائنات كلها إلى إرادة الله خيرها وشرها ونفعها وضرها ولكن

المحبة والكراهية يتضادان وكلاهما لا يضادان الإرادة فرب مراد مكروه ورب مراد محبوب فالمعاصي مكروهة وهي مع الكراهة مرادة ومزمع كونها مرادة محبوبة ومرضية أما الكفر والشر فلا نقول إنه مرضي ومحبوب بل هو مراد‏.‏

وقد قال الله تعالى‏:‏ ‏"‏ ولا يرضى لعباده الكفر ‏"‏ فكيف يكون الفناء بالإضافة إلى محبة الله وكراهته كالبقاء فإنه تعالى يقول‏:‏ ‏"‏ ما ترددت في شيء كترددي في قبض روح عبدي المسلم هو يكره الموت وأنا أكره مساءته ولابد له من الموت ‏"‏ فقوله‏:‏ ‏"‏ لابد له من الموت ‏"‏ إشارة إلى سبق الإرادة والتقدير المذكور في قوله تعالى ‏"‏ نحن قدرنا بينكم الموت ‏"‏ وفي قوله تعالى ‏"‏ الذي خلق الموت والحياة ‏"‏ ولا مناقضة بين قوله تعالى ‏"‏ نحن قدرنا بينكم الموت ‏"‏ وبين قوله ‏"‏ وأنا أكره مساءته ‏"‏ ولكن إيضاح الحق في هذا يستدعي تحقيق معنى الإرادة والمحبة والكراهة وبيان حقائقها فإن السابق إلى الإفهام منها أمور تناسب إرادة الخلق ومحبتهم

وكراهتهم وهيهات فبين صفات الله تعالى وصفات الخلق من البعد ما بين ذاته العزيز وذاتهم وكما أن ذوات الخلق جوهر وعرض وذات الله مقدس عنه ولا يناسب ما ليس بجوهر وعرض الجوهر والعرض فكذا صفاته لا تناسب صفات الخلق وهذه الحقائق داخلة في علم المكاشفة ووراء سر القدر الذي منع عن ذكره ولنقتصر على ما نبهنا عليه من الفرق بين الإقدام على النكاح والإحجام عنه فإن أحدهما مضيع نسلاً أدام الله وجوده من آدم صلى الله عليه وسلم عقباً بعد عقب إلى أن انتهى إليه فالممتنع عن النكاح قد حسم الوجود المستدام من لدن وجود آدم عليه السلام على نفسه فمات أبتر لا عقب له ولو كان الباعث على النكاح مجرد دفع الشهوة لما قال معاذ في الطاعون‏:‏ ‏"‏ زوجوني لا ألقى الله عزباً فإن قلت‏:‏ فما كان معاز يتوقع ولداً في ذلك الوقت فما وجه رغبته فيه فأقول‏:‏ الولد يحصل بالوقاع بباعث الشهوة وذلك أمر لا يدخل في الاختيار وإنما المعلق باختيار العبد إحضار المحرك للشهوة وذلك متوقع في كل حال فمن عقد فقد أدى ما عليه وفعل ما إليه والباقي خارج عن اختياره ولذلك يستحب النكاح للعنين أيضاً فإن نهضات الشهوة خفية لا يطلع عليها حتى إن المسموح الذي لا يتوقع له ولد لا ينقطع الاستحباب أيضاً في حقه على الوجه الذي يستحب للأصلع إمرار الموسى على رأسه إقتداءً بغيره وتشبهاً بالسلف الصالحين وكما يستحب الرمل والاضطباع في الحج الآن وقد كان المراد منه أولاً إظهار الجلد للكفار‏.‏

فصار الاقتداء والتشبه بالذين أظهروا الجلد سنة في حق من بعدهم ويضعف هذا الاستحباب بالإضافة إلى الاستحباب في حق القادر على الحرث وربما يزداد ضعفاً بما يقابله من كراهة تعطيل المرأة وتضييعها فيما يرجع إلى قضاء الوطر فإن ذلك لا يخلو عن نوع من الخطر فهذا المعنى هو الذي ينبه على شدة إنكارهم لترك النكاح مع فتور الشهوة‏.‏

الوجه الثاني‏:‏ السعي في محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضاه بتكثير ما به مباهاته إذ قد صرح رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك ويدل على مراعاة أمر الولد جملة بالوجوه كلها ما روي عن عمر رضي الله عنه أنه كان ينكح كثيراً ويقول‏:‏ إنما أنكح للولد‏.‏

وما روي في

الأخبار في مذمة المرأة العقيم إذ قال عليه السلام ‏"‏ لحصير في ناحية البيت خير من امرأة لا تلد ‏"‏ وقال خير نسائكم الولود الودود ‏"‏ وقال سوداء ولود خير من حسناء لا تلد ‏"‏ وهذا يدل على أن طلب الولد أدخل في اقتضاء فضل النكاح من طلب دفع غائلة الشهوة لأن الحسناء أصلح للتحصين وغض البصر وقطع الشهوة‏.‏



الوجه الثالث‏:‏ أن يبقى بعده ولد صالحاً يدعو له كما ورد في الخبر أن جميع عمل إبن آدم منقطع إلا ثلاثاً فذكر الولد الصالح‏.‏

وفي الخبر ‏"‏ إن الأدعية تعرض على الموتى على أطباق من نور ‏"‏ وقول القائل‏:‏ إن الولد ربما لم يكن صالحاً‏:‏ لا يؤثر فإنه مؤمن والصلاح هو الغالب على أولاد ذوي الدين لاسيما إذا عزم على تربيته وحمله على الصلاح وبالجملة دعاء المؤمن لأبويه مفيداً براً كان أو فاجراً فهو مثاب على دعواته وحسناته فإنه من كسبه وغير مؤاخذ بسيئاته فإنه لاتزر وازرة وزر أخرى ولذلك قال تعالى‏:‏ ‏"‏ ألحقنا بهم ذرياتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء ‏"‏ أي ما نقصناهم من أعمالهم وجعلنا أولادهم مزيداً في إحسانهم‏.‏

الوجه الرابع‏:‏ أن يموت الولد قبله فيكون له شفيعاً فقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏"‏ إن الطفل يجر بأبويه إلى الجنة ‏"‏ وفي بعض الأخبار ‏"‏ يأخذ بثوبه كما أنا الآن آخذ بثوبك ‏"‏ وقال أيضاً صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ إن المولود يقال ادخل الجنة فيقف على باب الجنة فيظل محبطاً ‏"‏ أي ممتلئاً غيظا وغضباً ويقول‏:‏ ‏"‏ لا أدخل الجنة إلا وأبواي معي فيقال‏:‏ أدخلوا أبويه معه الجنة ‏"‏ وفي خبر آخر‏:‏ ‏"‏ إن الأطفال يجتمعون في موقف عند عرض الخلائق للحساب فيقال للملائكة اذهبوا بهولاء إلى الجنة فيقفون على باب الجنة فيقال لهم‏:‏ مرحباً بذراري المسلمين ادخلوا لا حساب عليكم فيقولون‏:‏ فأين آباؤنا وأمهاتنا فيقول الخزنة‏:‏ إن آباءكم وأمهاتكم ليسوا مثلكم إنه كانت لهم ذنوب وسيئات فهم يحاسبون عليها ويطالبون‏.‏

قال‏:‏ فيتضاغون ويضجون على أبواب الجنة ضجةً واحدةً فيقول الله سبحانه وهو أعلم بهم‏:‏ ما هذه الضجة فيقولون‏:‏ ربنا أطفال المسلمين قالوا لا ندخل الجنة إلا مع آبائنا فيقول الله تعالى‏:‏ تخللوا الجمع فخذوا بأيدي آبائهم فأدخلوهم الجنة ‏"‏ وقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ من مات له اثنان من الولد فقد احتظر بحظار من النار ‏"‏ وقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ من مات له ثلاثة لم يبلغوا الحنث أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم ‏"‏ قيل‏:‏ يا رسول الله واثنان قال ‏"‏ واثنان ‏"‏ وحكي أن بعض الصالحين كان يعرض عليه التزويج فيأبى برهةً من دهره قال فانتبه من نومه ذات يوم وقال‏:‏ زوجوني زوجوني فزوجوه فسئل عن ذلك فقال‏:‏ لعل الله يرزقني ولداً ويقبضه فيكون لي مقدمةً في الآخرة ثم قال‏:‏ رأيت في المنام كأن القيامة قد قامت وكأني في جملة الخلائق في الموقف وبي من العطش ما كاد أن يقطع عنقي وكذا الخلائق في شدة العطش والكرب فنحن كذلك إذ ولدان يتخللون الجمع عليهم مناديل من نور وبأيديهم أباريق من فضة وأكواب من ذهب وهم يسقون الواحد بعد الواحد يتخللون الجمع ويتجاوزون أكثر الناس فمددت يدي إلى أحدهم وقلت‏:‏ اسقني فقد أجهدني العطش فقال‏:‏ ليس لك فينا ولد إنما نسقي آباءنا فقلت

ومن أنتم فقالوا‏:‏ نحن من مات من أطفال المسلمين‏.‏

وأحد المعاني المذكورة في قوله تعالى ‏"‏ فأتوا حرثكم أنى شئتم وقدموا لأنفسكم ‏"‏ تقديم الأطفال إلى الآخرة‏:‏ فقد ظهر بهذه الوجوه الأربعة أن أكثر فضل النكاح لأجل كونه سبباً للولد‏.‏



[size=24][/size]





الفائدة الثانية‏:‏

التحصن عن الشيطان وكسر التوقان ودفع غوائل الشهوة وغض البصر وحفظ الفرج وإليه الإشارة بقوله عليه السلام

‏"‏ من نكح فقد حصن نصف دينه فليتق الله في الشطر الآخر ‏"‏ وإليه الإشارة بقوله ‏"‏ عليكم بالباءة فمن لم يستطع فعليه بالصوم فإن الصوم له وجاء ‏"‏ وأكثر ما نقلناه من الآثار والأخبار إشارةً إلى هذا المعنى وهذا المعنى دون الأول لأن الشهوة موكلة بتقاضي تحصيل الولد فالنكاح كاف لشغله دافع لجعله وصارف لشر سطوته وليس من يجيب مولاه رغبةً في تحصيل رضاه كمن يجيب لطلب الخلاص عن غائلة التوكيل فالشهوة والولد مقدران وبينهما ارتباط وليس يجوز أن يقال‏:‏ المقصود اللذة والولد لازم منهما كما يلزم مثلاً قضاء الحاجة من الأكل وليس مقصوداً في ذاته بل الولد هو المقصود بالفطرة والحكمة والشهوة باعثة عليه ولعمري في الشهوة حكمة أخرى سوى الإرهاق حتى الإيلاء وهو ما في قضائها من اللذة التي لا توازيها لذة لو دامت فهي منبه على اللذات الموعودة في الجنان إذ الترغيب في لذة لم يجد لها ذواقاً لا ينفع فلو رغب العنين في لذة الجماع أو الصبي في لذة الملك والسلطنة لم ينفع الترغيب وإحدى فوائد لذات الدنيا الرغبة في دوامها في الجنة ليكون باعثاً على عبادة الله‏.‏

فانظر إلى الحكمة ثن إلى الرحمة ثم إلى التعبئة الإلهية كيف عبيت تحت شهوة واحدة حياتان حياةً ظاهرةً وحياةً باطنةً فالحياة الظاهرة حياة المرء ببقاء نسله فإنه نوع من دوام الوجود والحياة الباطنة هي الحياة الأخروية ‏"‏ فإن هذه اللذة الناقصة بسرعة الانصرام تحرك الرغبة في اللذة الكاملة بلذة الدوام فيستحث على العبادة الموصلة إليها
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
سلسلــة أخــلاق المؤمـنيــن وآداب الصالحيــن (4) آداب النـكــاح : فريــق الريــان
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات ستار المسيلة 28 :: المنتديات الإسلامية :: المنتدى الإسلامي-
انتقل الى: